موسيقا جديدة

Michael Kvium - Dumrian

موسيقا جديدة، تراقص الأشلاء المتبقية من جسدي، تحرك البريق الباقي على الأرضية الحمراء، وتسمح لبعض الهواء الملوث جنوناً بالدخول، وتمنعني… عن كل ما كان لي قبل الرحيل، وما كان لي عند الرحيل، وتمنع من كان الرحيل داؤه عن العود عن داءٍ لا دواء له في وطني.

موسيقا جديدة تداعب رؤوس أصابعي، تحرك أظافري، بالضبط عكس عقارب الساعة، عكس حركة الزمن الأزلية نحو الأمام، وتعود بي، إلى زمن الحروب اللطيفة، حيث تحسم مبارزة واحدة كل المصائب، حيث يكفي سيلان دم فردٍ واحدٍ كي تنتهي كل الحكاية، حيث لا تظهر الحكاية في نشرات الأخبار المليئة بالتبرج، حيث لا يغسلنا العار لمئة جيل، المياه المقدسة لا تغسل خطايانا، فقط العار يغسلها.

 البيت الذي انتظرتُ طويلاً كي يسير فيه بعض الفرح بات الآن ركاماً، بات مجرد فكرةٍ ترفض الرحيل عن مخيلتي، البيت ذهب، والذكرى التي كانت تواسيني كل يومٍ بعد رحيل المهرجين ماتت، أصبحت مجرد رمادٍ يواسي التراب في وحدته، يواسي بقايا أشلاء الديدان التي ماتت تخمة.

بانتظار الأجساد المصنوعة من تراب، نواسي أنفسنا بأجسادٍ وضيعة مصنوعة من نور، مصنوعة من بقايا بخورٍ رخيض، من رائحة الذين رحلوا، تاركين وراءهم ذكرى، تاركين عيوناً تبكي الغياب كل ما اكتمل القمر، تاركين خلفهم قلوباً منسية الوعي، تخاطب نفسها قاطعة آخر شرايينها “أحبني، لم يحبني”، تاركين بعض الوجد وبعض الرائحة، رائحة تصنع منها الأجساد الوضيعة.

الليل لم يسر بعد اليوم نحو مقبرة الجماجم، لماذا لا تدفنون فيها سوى الجماجم؟ لماذا لا تدفنون فيها الآلات الموسيقية التي أحيلت إلى التقاعد؟ لماذا لا تفنون فيها أكوام القطن التي تحوي ارتباكهن الأول؟ لماذا لا تدفنون فيها آلاف الأجنة التي ترحل كل يوم في الحمام الإفرنجي؟ ادفنوا فيها تاريخنا الذي تلوث بالخراء، ادفنوا فيها ما فعلنا، المفاجأة التعيسة التي قدمناها للبشرية، ادفنوا فيها بعض شعور الندم الذي يراود أصابعنا كل حينٍ وحين، لا يخنقنا ويحيلنا إلى موتى سوى ذاك الندم حين يصيب الأصابع.

الموسيقا لا تملك أنفاً، من المستحيل أن تكون هي من تتحكم بالرائحة، من المستحيل أن يصل تطاولها إلى حاسة الشم لدي، الموسيقا تستمر بمراقصة بقايا أشلائي، تزيل عنها رائحة التفسخ، تزيل عنها بقايا الذل الذي أبى أن يمّحي رغم ما غسل به من الدماء، تبقى منه رائحة واحدة، رائحة موسيقا، رائحة أوتارٍ ترتجف خوفاً تحت استبداد أصابعه، تحت استبداد ارتجاجاته، تحت رحمة كفوف الجمهور، تحت رحمة الملل الذي يتسلل كل قليل من الدقائق، تحت رحمة حنجرة المغنية التي ترفض التوقف، التي تترفع عن ترف التنفس، تترفع عن ترف الشهيق معذبة نفسها وإيانا بزفيرٍ لا ينتهي، بصرخة لا تنتهي تصم حتى الله عن سماعها.

الموسيقا تراقص بقاياي، تراقص كلماتي التي تعجز عن الخروج، تراقص الأسلاك الغاضبة على ظهري، تراقص الكهرباء التي تمر من جسدي محولة القشعريرة إلى شلل، تمر من فتات الضوء الذي يدخل من بين القضيبين إليّ، تتوقف ذرات الضوء عن التكاثر كل حينٍ وحين، أسمع الجندي يتوقف عن تشغيل الموسيقا التي كانت تراقص بقايا أشلائي قرب البندقية، ينهي اتصاله بكلمة من أربعة حروف، أهمس من بين القليل من اللحم المتعلق ببقايا العظم المكسر يوم أمس بقضيبٍ حديدي، أضاعف الزفير ربما يصله الصوت أو على الأقل الرائحة، أعجز من جديد عن تذكر الرائحة، أكره أنفي، وأكره دخاني الرخيص الذي يحرمنا من تخزين الذكريات عبر أنوفنا.

أتهرب مني بعد كل الصراخ ملكة التعبير؟ أتهرب مني ملكة الصراخ؟ أنا ولدتُ لأصرخ، ولدتُ لأصم البشرية البلهاء، لأضع حداً لتكاثر الأجساد الوضيعة المخلوقة من النور ورائحة الراحلين، سوف أصرخ، سأجعل كل الحجارة تحفظ الأسماء، تحفظ الجريمة والعقاب، يوماً ما ستعود الجريمة إلى الذاكرة، وسيعود معها العقاب، وتعود الموسيقا لتراقص بقايا الأشلاء.

تعليقات عبر فيسبوك

بقلم: مناف زيتون

خريج كلية الإعلام – جامعة دمشق، طالب ماجستير إعلام واتصال جماهيري في الكلية نفسها، مواليد دمشق 1988، يعمل كصحفي مستقل وكاتب إبداعي، له كتاب واحد منشور عن دار نوفل (قليل من الموت)، كانت مدونته الشخصية الأساس الذي قام عليه موقع بلوكة .كوم، يكتب فيه منذ انطلاقته في 16 آذار 2011.
ضمن تصنيف نصوص أدبية. Bookmark the permalink.

Comments are closed.